الفصل الثاني من قصة من وحي الصورة

قصة من وحي الصورة الفصل الثاني
 تسمرت (عبير) في مكانها عندما سمعت صوت الدكتور (نادر) خلفها، ثم أوقعت الملف 
على الأرض وقالت وهي تلملم أوراقه وحاولت السيطرة على ارتباكها "دكتور (نادر)، 
لم أشعر بك لقد كنت أرتب المكتب" قالتها مبتسمة لم يتفوه بكلمة، فقط مد يده لكي تناوله 
الملف، وبعد أن وضعت الأوراق داخله ناولته إياه. "لا داعي لترتيب المكتب اليوم، عودي 
لبيتك" انصرف سريعا فعلى ما يبدو أن هناك أمورا أكثر أهمية من القلق من فتاة بسيطة 
لم تكمل تعليمها. حرصت (عبير) على إخفاء ورقة من الملف الذي أوقعته عن عمد بين 
الأوراق المتناثرة الموجودة على الأرض، فالفوضى الذي أحدثها الطبيب كانت في صالحها 
لتقوم بإخفاء الورقة دون أن يشعر.. أخرجت هاتفها المحمول وقامت بالتقاط صورة للورقة 
التي بالملف ورغم رداءة الكاميرا التي بهاتفها المحمول إلا أنها قامت بالمهمة. أخفت الورقة 
مرة ثانية تحت الملفات المتناثر وتركت المكتب وعادت لبيتها، كانت طوال الطريق تفتح 
الصورة التي التقطها، ملف يحتوي على صورة شاب نائما على سرير يبدو مثل سرير الكشف 
الطبي، ولكن الغريب أن هذا الشاب ملامحه شاحبة حتى الموت، بل إنه ميت بالفعل حتى أن 
بعض أجزاء جسده متحللة. "ما الذي أقحمت نفسي فيه؟!" شردت وهي تردد تلك الكلمات داخل 
عقلها. وقفت الحافلة عند المحطة القريبة من بيتها، فنزلت منها ومشيت باتجاه بيتها، كانت متوترة، 
تشعر بأنها مراقبة وبأن الجميع يحملق فيها، تشعر بأن كل من حولها يعلم فعلتها تلك، ولكنها أقنعت 
نفسها بأنه مجرد شعور بسبب الخوف وسيزول تدريجيا. وصلت للبيت فدخلته وأغلقته جيدا بالمزلاج، 
كانت تعلم بأن هذا المزلاج لن يعيقهم إذا أرادوا أذيتها وأن هذا هو مجرد محاولة بائسة منها للشعور 
بالأمان.. فتحت الباب على أبيها لتطمئن عليه، أجفل عندما رآها فهو يعلم أن اليوم ليس يوم عطلة، 
اقتربت منه وجلست بجواره على السرير وقالت "لقد طرأ أمر عاجل جعل الدكتور (نادر) يغيب عن 
العيادة اليوم، وأمرني أن أعود إلى البيت" قالتها وهي تلمس يد أبيها بحنان، ولكن يدها كانت ترتجف 
فضغط أبيها على يدها وكأنه يحاول أن يسألها "ماذا بك؟" ولكن بسبب مرضه فهو لا يستطيع الكلام.
أخفت ارتباكها بابتسامة وقالت كأنها فهمت لمساته "أنا بخير، لا تقلق" نظر لها مطولا وفي عينيه ألف 
كلمة جميعها تقول أنه يشعر بأن هناك خطب ما خاصة عندما شاهد علامات الخوف بين ملامحها.
سحبت يدها من يده برفق وقامت لتعطيه الدواء، ناولته كوب الماء فمسك يديها مرة ثانية وضغط 
عليها بقوة أكثر وأصدر صوتا حزينا، صوتا راجيا إياها أن تبوح بما في صدرها ولكنها أصرت 
على الكتمان.. قبلت رأسه بلطف ثم تركته خلفها قلبه يتمزق قلقا عليها ودخلت غرفتها.. كانت 
ترتجف كورقة تركت مهملة أمام عواصف الشتاء، صحيح أنها لم تفهم حرف من المكتوب، 
ولكن الصور التي رأتها كفيلة في إيقاظ الرعب داخل صدرها.. رجعت بذاكرتها إلى الوراء، 
لأربع أشهر مضت بالتحديد، كانت حينها تعمل في محل ملابس، دموعها حفرت أخاديد على 
وجهها بسبب صاحب العمل الذي كان يتحرش بها بالقول أو الفعل، لم تقدر على ترك عملها 
حينها فلقد كانت بداية مرض والدها ويحتاج إلى علاج باهظ الثمن، رأتها سيدة جميلة يبدو عليها 
الثراء، تكلمت معها قليلا، أخبرتها أن هناك فرصة عمل في عيادة براتب مغري عند طبيب محترم 
لن بمسها بسوء ولن يخدش حيائها سواء بالقول أو بالفعل وشرط صاحب العمل أن تكون المتقدمة 
للوظيفة لم تكمل تعليمها.. تعجبت (عبير) لهذا الشرط في باديء الأمر، فالجميع يطلبون شهادات 
عليا وخبرات لمجرد العمل في مكان بسيط، ولكن عندما سمعت رقم الراتب لم تشغل بالها إطلاقا 
بهذا الشرط خاصة أنها ستبعد عن جحيم هذا الرجل البذيء، ولكن الآن هي تعرف سبب هذا الشرط..
أعادها للواقع صوت فتح باب الشقة، خرجت من الغرفة لتجد أخيها قد عاد من دروسه.. "لماذا 
عدت باكرا من العمل؟!" سألها مستعجبا "تعال يا (إبراهيم)، أريدك في شيء هام" رفع حاجبيه 
في استغراب ودخل معها الغرفة وأغلقت الباب حتى لا يسمعهم أبوهم.. فتحت هاتفها على الصورة 
التي التقطتها باكرا وقالت له مازحة "أريد أن أختبرك، أنت بالثانوية العامة الآن، اقرأ لي هذا الكلام"
مسك هاتفها واتسعت عيناه رعبا عندما رأى صورة الشاب الميت وسألها "ما هذا؟" سكتت قليلا 
تحاول أن تبحث عن إجابة مقنعة فقالت "إنها تخص مريضة تتعالج عند الدكتور (نادر) وطلب مني 
مساعدتها، وأنت تعرف أنني بالكاد أقرأ العربية" مط شفته السفلى وحك رأسه وصمت قليلا وهو 
يتمعن في الكلمات التي أمامه ثم قال "لم نأخذ تلك الكلمات في درس الإنجليزي، معظمها مصطلحات 
طبية" خبطت رأسه بخفة بكف يدها وقالت "كل هذه المصاريف التي أدفعها لدروسك ولم تفيدني 
في شيء!" حاول تفاديها ولكنه لم يستطع فقال وهو يقوم من جانبها "وما ذنبي أنا؟! المنهج الدراسي 
لا يحتوي على هذه الكلمات، ولكني يمكنني أن أقرأ لك اسمه" "وااا فرحتاااه، أخبرني، ما اسمه؟!"
"(محمود الدسوقي) ومكتوب هنا تاريخ الوفاة أيضا، 27 مارس 2015” خفق قلبها بقوة عند 
سماعها هذا الاسم، إنه اسم الشاب الذي قام بتوصيلها البارحة" "هل هذه مصادفة؟ ولكنه كان 
حي وبصحة جيدة البارحة، رغم أمره المريب، ربما تشابه أسماء" قالتها لنفسها وقد شردت قليلا
"أتريدين شيئا آخر؟" قالها اخوها وهو يتحرك مبتعدا "ها!! لا اذهب الآن" وقف عند باب الغرفة 
وأردف "أعرف من يفيدك في قراءة التقرير، الأمر ليس بهذه الصعوبة، لي صديق يكبرني بعامين 
في كلية الطب وسيفرح بمساعدتي كثيرا" سكتت وابتلعت لعابها، مزيد من الناس يعني مزيد من 
المشاكل، فكرت قليلا ثم قالت "الأمر ليس بهذه الأهمية، إذا احتجته سأبلغك" خرج أخيها وتركها 
غارقة في بحر أفكارها العميق، بحر لجي أمواجه عاتية تلقي بها إلى شطئان المتاعب.. دفنت رأسها 
بين كفيها وأخذت تبكي بصوت مكتوم، تشعر بالخوف والحيرة والقلق، مشاعر مختلطة تحاول أن 
تلف مخالبها حول رقبتها لتخنقها.. فتحت هاتفها وقربت وجه الشاب أكثر ولكن بسبب رداءة 
الكاميرا لم تكن ملامحه واضحة، ولكن خالجها شعور بأنه هو هو نفس الشاب الذي كانت معه 
البارحة، وموضح أمامها أنه توفى منذ عامين تقريبا.. لم تخرج من غرفتها قط إلا للإطمئنان على 
أبيها، والذي كانت دموع قلبه تقتلها، ولكنها حاولت جاهدة أن تبدو طبيعية.. مر الخميس والجمعة 
لم تنم (عبير) تقريبا بسبب التفكير ولم تأكل إلا القليل من الطعام.. إنه السبت، اليوم الذي من 
المفترض أن يجيء فيه (محمود الدسوقي) للكشف بدلا من الأربعاء الذي استغنى فيه عن دوره 
للجميع. ارتدت ملابسها على عجل، نزلت واستقلت الحافلة، فتحت هاتفها مرة ثانية وهي تحدق 
إلى الصورة، شعرت بالنعاس فهي لم تنم منذ يومين تقريبا، وضعت هاتفها في حقيبتها ونامت 
حتى وصلت بها الحافلة إلى العيادة.. اليوم مختلف عن أي يوم، تريد أن ترى (محمود) أمامها 
ثانية، هناك أمور كثيرة غير واضحة، وتشعر أن المفتاح بين يديه.. بدأ المرضى يدلفون إلى 
العيادة، الوقت يمر ببطء شديد فمازال على موعد (محمود) ساعة ولكنها تشعر بأنها دهر…
مرت الساعة ولم يأت (محمود)، خاب أملها فجلست تتكتك بقلمها في إنتظاره 
تيك توك تيك توك تيك توك تيك توك "والنبي دخليني الأول فأنا مريضة" خرجت هذه الكلمات 
من امرأة في الخمسين من عمرها "هناك شيء مريب يحدث" قالتها (عبير) وهي تنظر لتلك السيدة، 
صحيح أن جميع المرضى يكررون الكلمات تقريبا ولكن (عبير) تشعر بأن هذه المرة مختلفة، نفس 
السن السيدة(سنية) ولكنها ليست هي، تشبهها تقريبا ولكنها ليست هي، واسمها في الدفتر مختلف، 
اسمها (نادية حلمي) قالت (عبير) بصوت منخفض وهي تتجول بعينها في قلق بين وجوه الجالسين.
"بالدور يا حجه بالدور" "لقد تعبت من الجلوس يا بنتي، أدخليني الأول" تشعر بأنهم مثل الدمى، أعينهم 
ليس بها روح، تضاعفت دقات قلب (عبير) بعدما سمعت تلك الكلمات من الفتاة العشرينية التي تجلس 
بجوارها "كلنا مرضى وكلنا تعبنا من الجلوس، بالدووور بالدووور" قالتها بعصبية وهي تهز ساقها في 
توتر انفتح باب الطبيب فخرج منه شاب، فأمسكت (عبير) بالدفتر وهي ترتجف وتنادي 
(عاطف الدريني)، نظر لها (عاطف) ثم أشار للسيدة الخمسينية وقال مبتسما "يمكنك الدخول في دوري 
يا حجة" لم تستطع (عبير) منع دموعها من النزول، فهي تعيش نفس اليوم بتفاصيله، ولكن مع أشخاص 
آخرين، أشخاص بلا روح إن صح التعبير.. قامت المرأة وأمسكت بجنبها وقالت وهي متوجعة "شكرا 
يابني، حفظك الله" دخلت المرأة الخمسينية وظلت (عبير) تنظر لـ(عاطف) والذي كان مكانه منذ يومين 
(محمود)، نظرت حولها وجدت امرأة فاحشة الثراء، وشاب شاحب الوجه يجلس في زاوية الغرفة غير 
مبال بأي شيء! ظلت لدقائق تراقبهم وتراقب تكرار أحداث يوم الأربعاء المريبة، فشعرت بأن الغرفة 
تدور بها، حملت حقيبتها ونزلت من العيادة كأنها تهرب من الموت.. ركبت سيارة أجرة ووصلت لبيتها، 
ولكنها وجدت البيت خاليا بحثت عن أبيها وأخيها ولم تجدهم، حتى الأثاث البسيط الذي كان بالبيت لم يعد 
موجودا.. صرخت باكية وهي تقول "بابااااااا" تردد صدى صوتها في الأرجاء، وفجأة شعرت بأن هناك 
غمامة على عينها، تحسست وجهها المليء بالكدمات، وعلى خدها غرزت إبرة بطريقة قاسية.. 
سمعت صوت مألوف يقول .... "لقد فاقت" 

يتبع                      

لقراءة الفصل الثالث من : هنا
لقراءة باقي الفصول من : هنا
:) أستمتعوا بالقراءة (:



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كوريا فور اول / Korea4All تصميم بلوجرام © 2014

يتم التشغيل بواسطة Blogger.