الفصل الأول من قصة من وحي الصورة

قصة من وحي الصورة ~ الفصل الأول
تيك توك تيك توك تيك توك تيك توك امتزجت دقات الساعة مع تكات القلم الذي تحمله عبير في ملل، 
نظرت للساعة المعلقة على الحائط والتي كانت تشير إلى الحادية عشرة ليلا، ثم نظرت لوجوه 
الجالسين أمامها، المرض قد جعلهم  متشابهون، كبير أو صغير، شاب أم فتاة فلا أحد يستطيع أن يفلت 
من قبضة المرض القاسية.. نفثت بعض الهواء في ضيق فلقد تأخر الوقت ولكن ماباليد حيلة، 
فقوانين العيادة هنا صارمة، لا يجب أن تعود لبيتها إلا بعد أن تخلو العيادة تماما من المرضى.. "
والنبي دخليني الأول فأنا مريضة" خرجت هذه الكلمات من امرأة في الخمسين من عمرها، 
فأجابت (عبير) في شيء روتيني "بالدور يا حجة" "لقد تعبت من الجلوس يا بنتي، أدخليني الأول" 
لم ترد (عبير) وتوقعت ما سيحدث فهذا ما تعيشه يوميا من خناقات حتى حفظتها عن ظهر قلب 
"كلنا مرضى وكلنا تعبنا من الجلوس، بالدووور بالدووور"  خرجت هذه الكلمات بعصبية من فتاة 
عشرينية جميلة ولكن فظاظتها هذه قد نقصت من جمالها، فنظر لها الجالسون في حنق لردها على 
سيدة في عمر أمها بهذه الطريقة، ولكنها لم تبالي بنظراتهم تلك واستمرت في هز قدمها في توتر. 
انفتح باب الطبيب وخرج منه شاب عشريني فأمسكت (عبير) بالدفتر ونادت "محمود الدسوقي" 
فنظر لها (محمود) وأشار للمرأة الخمسينية مبتسما وهو يقول "يمكنك الدخول في دوري يا حجة" 
قامت المرأة وأمسكت بجنبها وقالت وهي متوجعة "شكرا يابني، حفظك الله"  ألقت (عبير) نظرة 
خاطفة على الفتاة التي كانت مازالت تهز ساقها بعنف وعيناها تلاحق السيدة (سنية) -كما هو 
موضح بالدفتر- في ضيق. ………. "اتفضلي يا حجة، مما تشكين؟" قالها الطبيب دون أن ينظر 
إليها، فاستطردت الحجة (سنية) قائلة وهي تشير لجميع أنحاء جسدها "وجع بجسدي كله، أشعر 
بمعدتي تتمزق، وأحيانا لا أستطيع التنفس، وعظامي يا دكتور، عظامي لم أستطع المشي عليها، 
و…" فقاطعها قائلا "أنا طبيب أمراض باطنية، ولست طبيب عظام" فابتسمت في خجل وقالت 
"آسفة يا دكتور، حسبتك تعلم في هذه الأمور أيضا" أشار لها لكي تجلس على سرير الفحص، 
وضع سماعته الطبية على أذنه وبشكل روتيني سريع وضعها على صدرها وظهرها، ثم عاد 
إلى مكتبه. لم يستغرق فحصه ثوان معدودة مقارنة بثمن الكشف الباهظ الذي دفعته حجة (سنية)؛ 
ثم جلست هي الأخرى أمامه على مكتبه وهي تتنفس بصعوبة وتحاول أن تقرأ الكلمات التي 
يخطها على الورقة.. أعطاها الورقة وقال "استمري على هذا العلاج لمدة أسبوع، وقومي بعمل 
هذه التحاليل والآشعة، ثم تعالي بعد أسبوع" قالها وهو يشير إلى الورقة أمسكت الحجة (سنية) 
بورقة التحاليل ودار في خلدها سؤالا كان أشد ألما من مرضها وهو؛ من أين تأت بثمن هذه 
التحاليل؟! خرجت من حجرة الطبيب وقد زاد الهم هما، وزاد الوجع وجعا وهي ما تزال تنظر 
للورقة حتى كادت أن تتعثر في قدم تلك الفتاة فقالت في غلظة "انظري أمامك يا حجة قبل أن 
تدهسي أقدام الناس" ولكن على ما يبدو أن الحجة (سنية) لم تسمع كلمات تلك الفتاة القاسية فلقد 
كانت هناك أفكار أخرى في عقلها تتصارع.. (عبدالله عبدالمجيد) (عبدالله عبدالمجيد) قالتها (عبير) 
وهي تنظر في وجوه الجالسين ولكن لم يجبها أحد، فرسمت علامة X أمام الاسم وأكملت، 
(رقية الشمبشيري).. قامت (رقية) من مكانها والغرور يعلو ملامحها، خطت بكعبها العالي فالتفت 
الجميع إلى صوته.. كان كل شيء بها يوضح ثراءها، ملابسها باهظة الزمن، والذهب الذي ترتديه..  
قامت (عبير) ومشت خلفها وهي تشتم رائحة عطرها والذي يساوي بضع قطرات منه مرتب 
عام كامل ل(عبير).. دخلت (رقية) بخفة إلى غرفة الطبيب وعندما رآها اتسعت عيناه في 
رعب وقال ل(رقية) دون أن يلحظ (عبير) التي تقف عند الباب "لماذا جئت هنا؟ لقد اتفقنا أن 
لن نتقابل في العيادة مطلقا" نظرت (رقية) تجاه الباب بنظرات تحذيرية لكي يكف الدكتور (نادر) 
عن الكلام، فنظر تجاه الباب في غضب وسألها "ماذا تريدين؟" تلعثمت (عبير) قليلا ثم أجابت 
"أ .. أ.. كنت سأسألك هل تريد شيئا لتشربه؟" "لا، واخرجي الآن" شعرت (عبير) بالإحراج 
بعد أن عنفها الطبيب بدون سبب، فأغلقت الباب فسمعتهم يتهامسون "لقد تأخرت يا (نادر)، 
المنظمة لن يعجبها هذا التأخير وأنت تعلم ذلك، ولن ترضى عن ردود فعلهن" قالتها بلهجة محذرة 
رجعت (عبير) سريعا وجلست على مكتبها، تشعر بشيء مريب يحدث بالداخل لا تعرف كنهه 
ولكن حدسها يقول لها ذلك، خاصة مع الشائعات التي تحوم حول العيادة كل فترة. قامت الفتاة 
واتجهت إلى (عبير) قائلة في توتر "متى دوري؟" "ما اسمك؟!" "(دنيا الصديق)" "دور الأستاذ 
(محمود) ثم أنتِ بعده" "يمكنها الدخول بدلا مني" تعجبت (عبير) قليلا، فلقد مر عليها الكثير هنا 
والجميع يحارب لكي يدخل سريعا للكشف ولكن هذه هي أول مرة ترى فيها شخص يتنازل عن 
دوره بهذه البساطة.. لم تجلس الفتاة (دنيا)، بل ظلت تمشي إيابا وذهابا في الطرقة وتنظر للساعة 
والتي تشير الآن إلى الثانية عشرة والربع، فرجعت إلى (عبير) قائلة لقد تأخرت بالداخل، أكثر من 
نصف ساعة وهي بالداخل، ماذا يفعلون كل هذا الوقت؟! ظل هذا السؤال يدور في عقل (عبير) 
ولكنها أصرت أن تنفضه بعيدا عن تفكيرها حتى لا يوقعها في مشاكل ثم أجابت "أحيانا الكشف 
يطول، اصبري قليلا" لم تكمل كلمتها حتى انفتح الباب وخرجت (رقية الشمبشيري) رافعة أنفها 
إلى السماء وتمشي بغرور.. دخلت (دنيا) سريعا إلى الطبيب وأغلقت الباب خلفها، لاحظت ارتباك 
الطبيب والذي حاول إخفاءه بابتسامة مزيفة وسألها "مم تشكين يا آنسة؟" "أنا أعرف عنك كل شيء
" قالتها وقد ثبتت عيناها عليه توتر وأسقط القلم من بين يديه ولكنه حافظ على نفس الابتسامة، ابتلع 
ريقه وهو يقول لها "لا أفهمك، ماذا تقصدين؟!" "أعرف عنك كل شيء، أعرف عملك الدنيء الذي 
تقوم به" وقف الدكتور (نادر) وقال بغضب وهو يشير إلى الباب "أخرجي من هنا، فأنا لست بمزاج 
لهذه الترهات، هناك مرضى حقيقيين ينتظرون ولا أريد أن أضيع وقتي على أمثالك" لم تقف (دنيا) 
وظلت تنظر له في ثبات، ضغط الدكتور (نادر) على زر استدعاء (عبير)، فقالت (دنيا) "لا تتسرع، 
أنا هنا لكي أكون معك وأساعدك، أنا هنا لأهب نفسي لك، وهذه تحاليلي وآشعتي، تأكد بنفسك أنني 
المنشودة" في هذه اللحظة دخلت (عبير) الغرفة، فأجفل الطبيب وسألها في حدة "ماذا تريدين؟!" ابتسمت 
(دنيا) في خبث وهي تضع ساقا فوق الأخرى، فقالت (عبير) متعجبة "لقد ضغطت على الجرس يا 
دكتور، أنت من يريدني" "آه .. نعم.. تذكرت، أ أ أريد قهوتي المعتادة" "أمرك يا دكتور" خرجت (عبير) 
وأغلقت الباب خلفها واتجهت إلى المطبخ تاركة أنظار (محمود) التي تراقبها خلفها.. لم يكن في العيادة 
غير (محمود) وشاب آخر يجلس في ركن الغرفة ومرضه جعله صامتا كالموتى. وقفت تنظر إلى القهوة 
وهي تحدث نفسها "لقد مررت بأيام غريبة ومريبة، ولكن اليوم كان أغربهم على الإطلاق" خرجت حاملة 
كوب القهوة، ثم طرقت الباب عدة مرات حتى سمح لها بالدخول، وضعت القهوة على المكتب وألقت 
نظرة على الطبيب والذي تبدلت نظرات القلق والخوف من على ملامحه بنظرات سعادة بالغة وهو ينظر 
إلى الآشعة التي بين يديه. رجعت إلى مكتبها ولاحظت نظرات (محمود) إليها، وعندما حدقت إليه ارتبك 
فقالت له "أنت التالي" "يمكنه الدخول" قالها وهو يشير إلى الشاب الجالس بالزاوية والذي لم يلحظ أن 
دوره قد حان بعد قليل خرجت (دنيا)، فنادت (عبير) قائلة "أستاذ (محسن)، إنه دورك" قام بهدوء، ومشى 
بخطوات بطيئة، فكل شيء يغلفه هاديء كطبعه.. كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف 
الليل مما جعل (عبير) تشعر بالضيق فلقد تأخر الوقت كثيرا، وألسنة الناس تنزل عليها كالسوط بالإشاعات. 
قام (محمود) من مكانه وجلس أمامها وقال "لقد تأخر الوقت، ولا أريدك أن تتأخري أكثر بسببي، لذا؛ هل 
يمكنني تأجيل موعدي للغد؟!" "الغد هو الخميس وهو يوم مخصص للغير مقتدرين ماديا فقط، سأكتب 
اسمك يوم السبت موافق؟" أومأ رأسه بالإيجاب دون أن يتكلم شطبت على اسمه، وكتبت اسمه في 
صفحة بتاريخ السبت" ظل جالسا أمامها يخترق قلبها بنظراته، دقات قلبها تعلو، إحساس غريب لم تشعره 
من قبل، كان هذا أول شخص ينظر لها نظرات إعجاب، فالجميع ينظرون إليها نظرات رغبة في 
جسدها، فهي خارقة الجمال، لطالما شعرت أن جمالها هذا نقمة في مجتمع مريض، أما اليوم فهي تشعر 
بأنها أنثى لديها قلب وليس جسد فقط. "هل تسمحي لي بتوصيلك لمنزلك؟!" تفاجأت بطلبه هذا، فأضاف 
قائلا "الوقت متأخرا ولن تجدي سيارة أجرة بسهولة" "ولكن… أنا لا أعرفك" "وأنتِ لا تعرفين سائق 
سيارة الأجرة أيضا ولكنك تتركينه يوصلك" لم يكن حديثه مقنعا بالنسبة لـ(عبير) ولكنها وجدت نفسها 
توافق، اتفقا أن ينتظرها بالأسفل بعد أن تنتهي.. انتهى الكشف وخرج الطبيب مسرعا كعادته، ثم أغلقت 
(عبير) جميع الأبواب ونزلت، وجدت (محمود) في انتظارها بسيارته ثم جلست بجانبه.. "أين تسكنين؟" 
صمتت للحظات قبل أن تجيبه، فهي لأول مرة تشعر بالخجل من فقرها. تحرك بالسيارة بعد أن وصفت 
له مكان سكنها، ثم سألها "هل أنتِ سعيدة بعملك مع دكتور (نادر)؟" "أجل، ولا يوجد عمل غيره يعيطيني 
هذا الراتب الكبير" "هل سألتِ نفسك لماذا تتقاضين هذا الراتب الكبير؟" نظرت له في شك، فلوهلة 
شعرت بأنها في تحقيق، ثم أجابت في غير اقتناع "لأنني أقوم بعمل جيد" بالطبع لقد سألت نفسها مرارا 
لماذا تتقاضى هذا الراتب الكبير؟! وما المقابل؟! ولكنها بعد فترة دفنت هذا السؤال في غيابات عقلها 
وردمته، طالما تقوم بعملها فلا يهم.. "هل فكرت يوما في ترك عملك؟" "ولماذا أفعل؟!" سألته متعجبة 
"أقصد بسبب الشائعات، فهناك أقاويل أنه يعمل في تجارة الأعضاء" كانت تشعر بعدم الإرتياح من كل 
هذه الأسئلة ولكنها قالت "كما قلت فهي شائعات، فالشائعات تحيطنا جميعا على كل حال، فأنا لم أرى 
أي شيء مريب منه" "ربما لأنك لم تبحثي جيدا" قالها وهو يتوقف بسيارته فقد وصل للمكان الذي 
وصفته له (عبير)، ترجلت من السيارة دون أن تتفوه بحرف، فلم تكن تلك المحادثة التي أملت أن يتكلما 
فيها سويا.. دخلت بيتها واطمأنت على أبيها المريض ثم دخلت غرفتها.. كانت كلمات (محمود) تحاول 
عنوة فتح الكثير من التساؤلات التي أغلقت عليها (عبير) باباً فولاذيا لا يمكن فتحه، فقررت الهروب 
من البحث عن إجابة عن طريق النوم.. وفي اليوم التالي استيقظت باكرا للذهاب لعملها، وجدت باب 
العيادة مفتوحا فمن المفترض أن لا أحد يملك المفتاح غيرها والدكتور (نادر).. بخطوات بطيئة دخلت، 
وجدت باب غرفة الطبيب مفتوحا.. "من؟! من بالداخل؟!" لم يأتها رد، اقتربت أكثر وكاد قلبها يتوقف 
من الخوف، ثم دخلت الغرفة.. وجدت الدكتور (نادر) بالداخل وهو يبحث بين الأوراق في عجل، 
فأنتفض بعدما رآها فلم يشعر بدخولها بسبب انشغاله. "هل تبحث عن شيء يا دكتور؟! ربما أساعدك"
 "لا، اذهبي الآن" قالها بأسلوب جاف انتظرت على مكتبها وبعد ثوان معدودة جاء الدكتور (رؤوف) 
فقالت (عبير) في مرح معهود "أهلا بحضرتك يا دكتور، تفضل بالجلوس سأبلغ الدكتور (نادر) 
بمجيئك حالا" ولكنه على غير عادته لم يعرها أي إهتمام ودخل فورا إلى غرفة الدكتور (نادر) كانا 
يتهامسان بصوت عال ولكنها لم تستطع أن تتبين أي حرف مما يقولان، خرجا مسرعين وقال لها 
وهو يخرج من العيادة "لن أستقبل مرضى اليوم، أغلقي المكان وارجعي إلى بيتك" تنفست الصعداء، 
فعلى الرغم من أن هذا اليوم يساعد فيه العديد من الفقراء، إلا أنه دائما يذكرها بأصلها التي كانت 
تهرب منه داخل العيادة، إنها لا تكره الفقر، ولكنها تكره مشاهدة أبيها المريض وهي عاجزة عن 
تلبية احتياجاته، فراتبها بأكمله تصرفه على علاجه الباهظ، إنها تكره كونها عاجزة عن فعل أي 
شيء.. دخلت غرفة الدكتور لترتبها قبل أن تغلق العيادة، لمحت ملفا على المكتب، الملف يحتوي 
صورة تقشعر لها الأبدان، وضعت (عبير) يدها على فمها كاتمة صرخة تريد أن تخرج، فهذه الفتاة 
قد دُقِّت المسامير داخل رأسها، والغريب أنها تبتسم بأريحية، تلك الفتاة تسكن قريبا من بيت (عبير)، 
قد جاءت في اليوم المخصص للمحتاجين، يوم الخميس ولكن منذ شهر تقريبا، فلقد تثرثرا كثيرا 
يومها، ثم بعدها بأسبوع اختفت ولم يعثر عليها أحد وقال البعض أنه شاهدها تهرب مع شاب في 
سنها.. كان الملف بالكامل مكتوب باللغة الإنجليزية، ولكن (عبير) لم تكمل تعليمها فلذلك لم تستطع 
قراءة حرف واحد منه، لمحت صورة أخرى داخل الملف، ولكن قاطعها صوت جعل الدم يجف 
في عروقها "ماذا تفعلين؟!" قالها الدكتور (نادر) وهو يقف وعيناه يملأها الغضب .

يتبع                      

لقراءة الفصل الثاني من : هنا
لقراءة باقي الفصول من : هنا
:) أستمتعوا بالقراءة (:


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كوريا فور اول / Korea4All تصميم بلوجرام © 2014

يتم التشغيل بواسطة Blogger.